الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

16

مختصر الامثل

وهؤلاء وصلوا حدّاً تصفه الآية فتقول : « وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَّايُؤْمِنُوا بِهَا » بل الأكثر من ذلك أنّهم عندما يأتون إليك ، لا يفتحون نوافذ قلوبهم أمام ما تقول ، ولا يأتون - على الأقل - بهيئة الباحث عن الحق الذي يسعى للعثور على الحقيقة والتفكير فيها ، بل يأتون بروح وفكر سلبيين ، ولا هدف لهم سوى الجدل والاعتراض : « حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ » . أنّهم عند سماعهم كلامك الذي يستقى من ينابيع الوحي ويجري على لسانك الناطق بالحق ، يبادرون إلى اتهامك بأنّ ما تقوله إنّما هو خرافات اصطنعها أناس غابرون : « يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ » . الآية التالية تذكر أنّ هؤلاء لا يكتفون بهذا ، فهم مع ضلالهم يسعون جاهدين للحيلولة دون سلوك الباحثين عن الحقيقة بما يشيعونه ويروّجونه من مختلف الأكاذيب ، ويمنعونهم أن يقتربوا من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ » ويبتعدون عنه بأنفسهم : « وَيَنَوْنَ عَنْهُ » « 1 » . دون أن يدركوا أنّ من يصارع الحق يكن صريعه ، وأخيراً ، وبحسب قانون الخلق الثابت ، يظهر وجه الحق من وراء السحب ، وينتصر بما له من قوة ، ويتلاشى الباطل كما يتلاشى الزبد الطافي على سطح الماء ، وعليه فإنّ مساعيهم سوف تتحطم على صخرة الإخفاق والخيبة وما يهلكون غير أنفسهم ، ولكنهم لا يدركون الحقيقة : « وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ » . وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 28 ) في هاتين الآيتين إشارة إلى بعض مواقف عناد المشركين وفيهما يتجسد مشهد من مشاهد نتائج أعمالهم لكي يدركوا المصير المشؤوم الذي ينتظرهم فيستيقظون ، أو تكون حالهم - على الأقل - عبرة لغيرهم ، فتقول الآية : « وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ » لتبيّن لك مصيرهم السئ المؤلم . إنّهم في تلك الحال على درجة من الهلع بحيث إنّهم يصرخون : ليتنا نرجع إلى الدنيا لنعوّض عن أعمالنا القبيحة ، ونعمل للنجاة من هذا المصير المشؤوم ، ونصدّق آيات ربنا ،

--> ( 1 ) « ينأون » : من « نأى » بمعنى إبتعد .